وَغَرِيـرَةٍ في المَكْتَبَــهْ بِجَمَالِـهَا مُتَنَقِّـبَهْ
أَبْصَرْتُهَا عِنْدَ الصَّبَـاحِ الغَضِّ تُشْبِـهُ كَوْكَبَهْ
جَلَسَتْ لِتَقْرَأَ أَوْ لِتَكْـ ـتُبَ مَا المُعَلِّـمُ رَتَّبَـهْ
فَدَنَوْتُ أَسْتَرِقُ الخُطَـى حَتَّى جَلَسْتُ بِمَقْرُبَهْ
وَحَبَسْـتُ حَتَّى لا ترَى أَنْفَاسِـيَ المُتَلَهِّبَـهْ
وَنَهَيْتُ قَلْبِيَ عَنْ خُفُـو قٍ فَاضِـحٍ فَتَجَنَّبَـهْ
رَاقَبْتُهَا فَشَهِـدْتُ أَنَّ اللهَ أَجْزَلَ في الْهِبَـهْ
حَمَلَ الثَّـرَى مِنْـهَا عَلَى نُورِ اليَدَيْـنِ وَقَلَّبَـهْ
وَسَقَـاهُ في الفِرْدَوْسِ مَخْـ تُومِ الرَّحِيقِ وَرَكَّبَـهْ
فَـإِذَا بِـهَا مَلَـكٌ تَنَـزَّ لَ لِلْقُلُـوبِ المُتْعَبَـهْ
يَا لَيْـتَ حَـظَّ كِتَابِـهَا لِضُلُوعِـيَ الْمُتَعَذِّبَـهْ
حَضَنَـتْهُ تَقْرأُ مَـا حَـوَى وَحَنَتْ عَلَيْهِ وَمَا انْتَبَـهْ
فَـإِذَا انْتَهَـى وَجْـهٌ ونَـا لَ ذَكَاؤُهَا مَا اسْتَوْعَبَـهْ
سَمَحَـتْ لأَنْمُـلِهَا الجَمِيـ ـلِ بِرِيقِهَا كَيْ تَقْلِبَـهْ
وسَمِعْتُ وَهْيَ تُغَمْغِـمُ الـ كَلِمَاتِ نَجْوَى مُطْرِبَـهْ
وَرَأَيْـتُ في الفَـمِ بِدْعَـةً خَـلاّبَـةً مُسْتَعْذَبَـهْ
إحْـدَى الثَّـنَايَا النَّـيِّـرَا تِ بَدَتْ وَلَيْسَ لَهَا شَبَهْ
مَثْلُـومَـةً مِـنْ طَرْفِهَـا لا تَحْسَبَنْهَـا مَثْلَبَـهْ
هِيَ لَوْ عَلِمْـتَ مِـنَ الْـ مَحَاسِنِ عِنْدَ أَرْفَعِ مَرْتَبَهْ
هِيَ مَصْدَرُ السِّيْنَاتِ تُكْـ سِبُهَا صَدَىً مَا أَعْذَبَـهْ
وَأَمَـا وَقَلْـبٍ قَـدْ رَأَتْ في السَّاجِدِينَ تَقَلُّبَـهْ
صَلَّـى لِجَبَّـارِ الجَمَـالِ وَلا يَـزَالُ مُعَذَّبَـهْ
خَفَقَـانُـهُ مُتَـوَاصِـلٌ وَاللَّيْلُ يَنْشُـرُ غَيْهَبَـهْ
مُتَـعَــذِّبٌ بَنَهَـارِهِ حَتَّى يَزُورَ الْمَكْتَبَـهْ
وَأمَا وَعَيْنِكِ وَالْقُوَى السِّـ حْرِيَّـةِ الْمُتَحَجِّبَـهْ
مَا رُمْتُ أَكْثَرَ مِنْ حَدِيـ ـثٍ طِيبُ ثَغْرِكِ طَيَّبَهْ
وَأَرُومُ سِنَّـكِ ضَاحِكَـاً حَتَّى يَلُـوحَ وَأَرْقُبَـهْ
-- ابراهيم طوقان
شاعرٌ فلسطيني مرموق عُدّ من أعلام الشعر العربي الحديث،
والمقاومة ضد الاستعمار الأجنبي للأرض العربية وخاصة الإنجليزي في القرن العشرين، حيث كانت فلسطين واقعة تحت الإنتداب البريطاني.
فاشتُهر بأشعاره الوطنيّة لذلك أُطلق عليه لقب "شاعر الوطنيّة" و"حارس الأرض"، وهو من الشعراء المنادين بالقوميّة العربيّة، وله عدة قصائد في هذا الغرض ومن أشهرها قصيدة (موطني) والتي أصبحت النشيد القومي لفلسطين، وقد خضع إبراهيم في نظرته إلى الشعر وفي تصوره لطبيعته لمبدأين نقديين، الأول عبر عنه بقوله: (الشعر وَمْضَةٌ فكريةٌ في صورةٍ لفظية قد يُحْسِن الشاعر قولها وقد لا يحسن)، أما المبدأ الثاني فهو إيمانه بأنّ الشعر عبارات نثرية موزونة لا أثر لكدّ الخاطر فيها.
نشر إبراهيم طوقان أول قصيدةٍ له في إحدى الصحف في عام 1923م، وهو نفس العام الذي التحق فيه بالجامعة الأمريكية، فقد كانت فترة الدراسة أوج مراحل العطاء لطوقان، حيث نشر سنة 1924م قصيدة (ملائكة الرحمة) والتي لفتت إليه الأنظار، وفي نفس الفترة عرّفه أخوه أحمد على الناقد الأستاذ سعيد تقي الدين الذي أخذ على عاتقه دعمه، والشاعر بشارة الخوري الملقب بالأخطل الصغير، وفي عام 1926م وقع في الحب من فتاة فجرت إبداعاته في شعر الغزل فكتب قصيدته الشهيرة (في المكتبة).
نظم إبراهيم الشعر الوطني إضافة إلى بعض القصائد والمقالات والأحاديث الإذاعية التي كانت تُبثّ عبر أثير إذاعة فلسطين ولم تنشر، وقد كان معظم نظم إبراهيم عمودياً ولكنه كتب أيضاً الشعر المقطعي مثل نشيد موطني، أما عن نتاجه الشعري فله (ديوان إبراهيم طوقان) وقد طبع عدة مرات منذ عام 1955م ومعظم قصائده وطنية إضافة إلى بعض قصائد الغزل والمدح، كما أن له مجموعة شعرية بعنوان (قناديل للنهار المطفأ) صدرت عن دار ابن رشد في عمان عام 1985م.
نشأة وطفولة إبراهيم طوقان .
وُلد الشاعر إبراهيم عبد الفتاح طوقان سنة 1905م في مدينة نابلس بفلسطين في بيت من بيوتها العريقة، حيث كانت عائلته من العائلات الشهيرة في البلد، وقد عُرفت بالتزامها وحفاظها على العادات والتقاليد الموروثة، وكان والده عبد الفتاح طوقان من رجالات البلد المرموقين ومن النشطاء الوطنيين، أما والدته فوزية العسقلان فكانت امرأة ظريفة قريبة إلى القلب وملتزمة ببيتها تقوم على رعاية أبنائها شأنها في ذلك شأن سائر نساء فلسطين آنذاك.
حظي إبراهيم طوقان بدعمٍ من عائلته في طفولته، إذ ظهرت عليه علامات الموهبة منذ نعومة أظفاره، وكانت عائلته قد لاحظت تلك الموهبة التي كان من مظاهرها إنشاده للأهازيج الشعبية أثناء لهوه ولعبه مع جدته التركية، وحين كان يقص على جده القصص التاريخية كقصة أبي زيد الهلالي وقصة سيف بن ذي يزن، وحين كان يقرأ له قصائد الشعر التي كان يحفظها في المدرسة، مما كان يثير إعجاب الجد ويدخل السرور على قلبه، كما لاحظ هذا النبوغ المبكر على إبراهيم أساتذته في المدرسة، فكانوا شديدي الإعجاب به وكان يلقى منهم الكثير من التشجيع، إضافة إلى تشجيع ودعم أخيه أحمد الذي لم يبخل عليه بخبرته فكان دائم التوجيه له، وقد كان إبراهيم وسط تلك العائلة محاطاً بكثير من الاهتمام والرعاية من قبل أفرادها، فضلاً عن الرعاية المدرسية صاحبة الأثر الكبير في تنمية موهبته وإبرازها.
تلقى إبراهيم طوقان تعليمه الابتدائي في المدرسة الرشيدية في مدينة نابلس، وأمضى فيها أربع سنوات حيث درس فيها منذ عام 1914م إلى عام 1918م، ثمّ انتقل إلى مدرسة المطران في الكلية الإنجليزية في القدس عام 1919م لإتمام تعليمه الثانوي، وفيها تَعرّف على أستاذه نخلة زريق الذي تتلمذ على يديه وتعلم منه حب اللغة العربية والشعر القديم، وقضى في هذه المدرسة أربع سنوات قبل أن يلتحق بالجامعة الأمريكية في بيروت في عام 1923م، حيث مكث فيها ست سنوات درس خلالها الأدب ثمّ تخرج منها عام 1929م.
ثمّ عاد ليُدرس اللغة العربية في كلية النجاح في نابلس لمدة عامٍ قبل أن يرجع إلى بيروت للعمل في الجامعة الأميركية في قسم الأدب العربي لمدة سنتين، وقد كُرم فيها وأطلق عليه لقب "شاعر الجامعة"، ثمّ عاد إلى القدس ليُدرس في المدرسة الرشيدية في عام 1932م، غير أنّ المرض اشتد عليه فأجريت له عملية جراحية ناجحة ترك التدريس على أثرها، وعمل بعدها مديراً في مصلحة المياه، ثمّ مديراً لأعمال والده التجارية، ثمّ انقطع فترة عن العمل وتفرغ لكتابة الشعر، ثمّ عمل في إذاعة فلسطين مديراً للبرامج العربية عام 1936م ولمدة أربع سنوات، وفي تلك الفترة تزوج من ساميا عبد الهادي في عام 1937م وأنجبا طفلين هما جعفر وعريب، ثمّ ذهب مع عائلته إلى بغداد بعد انتهاء عمله في الإذاعة ليعمل معلماً في الرستمية، لكن لم يكد يمضي شهران على إقامته في العراق حتى اشتد عليه المرض مما حمله إلى العودة إلى نابلس.
مصادر ثقافة الشاعر إبراهيم طوقان كان لنشأة إبراهيم طوقان الدينية أثرٌ كبير في تشكل روافد ثقافته، حيث يعتبر القرآن الكريم والسنة النبوية من أهم تلك الروافد، فقد اعتاد شاعرنا منذ الصغر على الإنصات للقرآن الكريم حيث كان يُتلى كثيراً في بيته من قبل أفراد عائلته، مما جعل قلبه يتعلق به، فأصبح كثير التلاوة له، وكانت تلاوته تتسم بالخشوع والتمعن والتأمل في بلاغته، وقد ظهر البعد الديني في أشعار إبراهيم بشكل واضح، ومثال على ذلك الأبيات الشعرية الآتية والتي يظهر فيها تأثره بالقرآن الكريم:
إليكَ تَوجّهتُ يا خالِقي بِشكرٍ عَلى نعمة العافيه
إِذا هِيَ وَلَّت فَمن قادرٌ سِواك عَلى ردِّها ثانيه
وَما لِلطَبيب يَدٌ في الشِفاءِ وَلَكنها يَدك الشافيه
تباركتَ أنت مُعيدُ الحياةَ مَتّى شئت في الأَعظم الباليه
إما المصدر الثاني لثقافة الشاعر إبراهيم فهو اهتمامات أسرته الأدبية، فقد كان جده لأبيه أديباً وشاعراً، فنشأ إبراهيم متأثراً به فأحب الشعر وتعلق به وكان كثير القراءة والحفظ له لا سيما القديم منه، وكان من أحب الكتب الأدبية إليه كتاب الأغاني، ومن أحب الشعراء إليه المتنبي والعباس بن الأحنف، وأعلاهم منزلةً عنده أحمد شوقي.
مرض الشاعر إبراهيم طوقان ووفاته كان المرض رفيق درب إبراهيم طوقان منذ ولادته، حيث عانى منه كثيراً فكان دائم التردد على الأطباء والمستشفيات، وقد تحدث عن مرضه قائلاً: (إنّ المرض كالعمر والرزق، والتوفيق والفشل.. وأنا بين إخوتي الباقين وعددهم تسعة حملت بي الوالدة أم أحمد، إثر مرض خطير كدت أشرف به على الموت فكنت أنا في أحشائها عندما كانت هي في دور النقاهة وأعضاء جسمها وقوتها بوجه العموم ضعيفة، فجئت مركباً على مرضٍ وضعفٍ).
اشتدّ المرض على إبراهيم إثر سفره إلى العراق ليعمل مدرساً هناك، إذ ذهب معتقداً أنّه سيعمل مدرساً في دار المعلمين في بغداد، لكنّه فوجئ بتعيينه في منطقة الرستمية وهي منطقة نائية تبعد عن بغداد عدة كيلومترات، وبعد شهرين من بدء عمله لم تحتمل صحته مشقة هذا العمل فتعرض إلى انتكاسة شديدة وتلقى في بغداد علاجاً مؤقتاً، ثمّ عاد إلى نابلس وأدخل إلى المستشفى، لكنه لم يكد يقيم فيها بضعة أيامٍ حتى فارق الحياة في الثاني من مايو مساء يوم الجمعة عام ١٩٤١
لقد استغرقت رحلة إبراهيم طوقان في هذه الحياة حوالي ستة وثلاثين عاما، قطعها طالب علم، وناظم شعر، ومعلم أجيال، وكاتبا في الصحف والمجلات والإذاعة الفلسطينية.
وعلى الرغم من مرور عشرات السنين على وفاته، إلا أن أشعاره بقيت خالدة يرددها أبناء وطنه وأبناء العروبة كلهم، ولعل نشيد "موطني"، الذي نسمعه صباح كل يوم في ساحات المدارس ومعاهد التعليم، خير دليل على بقاء روحه وأدبه .
يا موطني
ألقيت في حفلة توزيع الشهادات في مدرسة النجاح النابلسية.
خطر المَسَا بوشاحه المتلوّنِ بين الرُّبى يَهَب الكرى للأَعْيُنِ
وتَلمّسَ الزهرَ الحَيِيَّ فأطرقتْ أجفانُه شأنَ المُحبِّ المذعن
ودعا الطيورَ إلى المبيت فرفرفتْ فوق الوكونِ لها لُحونُ «الأُرْغُن»
وتَسلَّلَتْ نسماتُه في إثْرهِ فإذا الغصونُ بها تَرنُّحُ مُدْمِن
آمالُ أيامِ الربيعِ جميعُها حَسَنٌ (وعِيبالُ) اكتسى بالأَحْسن
جبلٌ له بين الضلوعِ صَبابةٌ كادت تحول إلى سَقام مُزْمِن
وتفجّرتْ شِعرًا بقلبي دافقًا فسكبتُ صافيه ليشربَ موطني
•••
يا موطنًا قرع العداةُ صفاتهُ أشجيتَني ومن الرقاد منعتني
يا موطنًا طعن العداةُ فؤادَهُ قد كنتَ من سِكّينهم في مأمن
لَهْفي عليكَ وما التهافي بعدما نزلوا حِماكَ على سبيلٍ هَيّن
وأتَوْكَ يُبدون الودادَ وكلُّهم يزهو بثوبٍ بالخداع مُبطَّن
قد كنتُ أحسب في التمدّن نعمةً حتى رأيتُ شراسةَ المتمدّن
فإذا بجانب رِفْقه أكرُ الوغى وإذا الحديدُ مع الكلامِ الليّن
الذنبُ ذنبي يومَ هِمتُ بحبّهم يا موطني هذا فؤادي فاطْعن
واغمرْ جراحَكَ في دمي فلعلّهُ يُجدي فتبرأَ بعده يا موطني
•••
عجبًا لقومي مُقْعَدين ونُوَّمًا وعَدوُّهم عن سحقهم لا ينثني
عجبًا لقومي كلُّهم بُكْمٌ ومَنْ ينطقْ يَقلْ يا ليتني ولعلّني
لِمَ يُوجسون من الحقيقة خِيفةً؟ لِمَ يصدفون عن الطريق البيِّن؟
إن البلادَ كريمةٌ يا ليتها ضنّتْ على من عقَّها بالمدفن
•••
قالوا: الشبابُ … فقلتُ: سيف باترٌ وإذا تَثقّفَ كان صافي المعدن
مرحى لشبّان البلادِ إذا غدا كلٌّ بغير بلاده لم يُفْتَن
مرحى لشبّان البلادِ فما لهم إلَّا السموُّ إلى العُلا من دَيْدَن
نهض الشبابُ يطالبون بمجدهم يا أيها الوطنُ المجيد تَيمَّن
السماسرة!
أمّا سماسرةُ البلادِ فعصبةٌ عارٌ على أهل البلادِ بقاؤها
إبليسُ أعلن صاغرًا إفلاسَهُ لما تحقَّق عنده إغراؤها
يتنعّمون مُكرَّمين، كأنّما لنعيمهم عمَّ البلادَ شقاؤها
همْ أهلُ نجدتها، وإنْ أنكرتَهم وهُمو، وأنفُكَ راغمٌ، زعماؤها!!
وحماتُها، وبهم يتمّ خرابُها وعلى يديهمْ بَيْعُها وشراؤها
ومن العجائب إن كشفتَ قُدورَهم أنَّ الجرائدَ، بعضَهنَّ، غطاؤها
كيف الخلاصُ إذا النفوسُ تزاحمتْ أطماعُها، وتدافعتْ أهواؤها
أما القصيدة التالية فموضوعها ، أن إبراهيم طوقان سأل صديقه الشاعر عمر فروخ عن "قلوب طارت إلى حلب" فردّ عليه عمر بالبيت الأول ثم أكمل إبراهيم باقي الأبيات:
لقد طارت إلى «حلبٍ»
قلوبٌ شفّها الوجدُ
لِلُقيا من له حُسْنٌ
على الأكوان ممتدّ
كنور الشمسِ لا تخلو
وِهادٌ منه أو نَجْد
للقيا من بدتْ أَنْفا
سُهُ الريحان والنَّدّ
لقد عبقتْ فإن بَعُدتْ
يزدْ في طيبها البُعْد
للقيا من بدتْ «بَرَكا
تُهُ» الهِجرانُ والصَّدّ
رحمه الله
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق