---------------------------
حدّق في المرآة جليا استرجع بصعوبة انفاسه المتقطعة
لم يرى وجهه لكنه فوجئ بضباب كثيف يملأ سطحها
فجوة كبيرة ترتسم بداخلها قبل ان يحول كل شيء فيها الى فراغ
تزداد سرعة الدوران حتى يتحول كل شيء الى فجوة سوداء
مثل ثقب داخل كتلة من الضباب
مسح المرآة لم يَرَ وجهه لم يَرَ الفراغ الذي كان يدور حول نفسه
حتى استقر لدرجة انتفاء الدوران
تناهت الى مسامعه رنات التلفون تزداد قوة وتتضخم في اذنه اليمنى
لكن المسافات بدت بينهما بعيدة
أغمض عينيه ليسترجع شيئا مما كان يحدث له
ويفهم وضعه المرتبك والغامض
خيّل اليه في لحظة من اللحظات يسمع صوتا غريبا يأتيه من بعيد
مصحوبا بحمى الضجيج والرصاص والموت
صراخ يمزق سكون القرية والكوخ
يستجد صوت أبّح يناديه من اعماق سحيقة
كأنه يأتي من اخر الليل من زنزانة تحت دهاليز المدينة
حدّق من جديد في المرآة يسترق السمع الى الصوت
يأتيه من بعيد مخنوقا منكسرا
صوت كان فيه ولم يكن خارج ذاكرته
لم يستطع كتم غضبه وحنقه وهو لا يكاد يفتح فمه
لا سيّد في المكان الاّ الخوف
الاسئلة العالقة في الحلق والحيرة
ينتابك بمجرد ان تتخطى العتبات الخشبية
فتح كوّة الحمّام المطلة على الزقاق الكبير
البرد الذي كان يأتيه من الشمال كان قاسيا
الليل مازال يقاتل العتمة التي كلما مرّ الوقت زادت طولا
الانجم وحدها كانت شاهدا على الحزن والموت في الازقة المنسية
الوجه زاد شحوبا وذبولا
الجسد منهك كأنه خرج للتو من حفرت الموت
لم يكن ذلك بسبب انعكاسات الحيطان المتهرئة على المرايا
شاحب يحمل بين قسماته تعاسة العصر وغباء البشر
يصطف داخل عينيه طابور العذابات اليومية
كل شيء يعيد الى الخوف الذي لم يكن قادرا على المقاومة
خوف غامض استقر نهائيا في السلوك المعلق على لسانه
متى يخرج لا يعرف متى يتحول الى صرخة مجنونة
تخترق الصمت الذي أطبق على داخله
الصمت لِيمت في مكانه ولِتمت كل نداءات الموت حيث كانت
الاّ هدير الخوف الذي ينبت في الاعماق أعما ونيرانا تحرق كل شيء
الساعات الهاربة يأكل لحمه بشراهة
زمن يتضاءل وينتفي في فراغ لم يكن قادرا على تحديده
مرارة في الفم لا يعرف مصدرها
حاول النوم قليلا لكن الفجر كان يدق الابواب بقوة
كان ينتظر في الخارج يوم لا يعرف اسراره
من يدري المدينة تفاجئنا دائما بما لا ننتظره
تسربت ريح باردة من الخارج والكوة المفتوحة قليلا بدت بعيدة
هواء بارد وقلق يتنامى اكثر واكثر
وشوارع صامتة والناس بدأوا ينسحبون منها بسرعة
في شرايينه كانت تغلي فجيعة الموت
والحلم الذي انطفأ قبل ان يزدهر
كل شيء بدا وكأنه مجد لعبة
سرعان ما كبرت الى ان اصبحت شيئا شبيها بالموت
يترصد ضحاياه في كل الزوايا
لم يكن يعلم كم من الوقت مرّ عليه
عندما حاول اختراق غلالة المرآة
لم يرَ الاّ الضباب وبعض قطرات الماء
كانت تكسّر ملامحه وتحولها الى اجزاء غير متماسكة داخل المرآة
غار وجهه في المرآة اكثر وتحول الى نقاط صغيرة
بدأت تتداخل بسرعة فيما بينها وتتماهى
تمادى في الابتعاد وحتى غاب نهائيا
لم تبقَ الاّ علامات مدينة غريبة
سامرة كلما اقترب منها تسربت بسرعة
من بين عينيها المتعبتين حتى قبل ان يلمسها
لم يكن يتكلم عن منفاه المؤلم
عاشه وسط ناس لا يشبهونه
لكن لم يكن يتكلم في حاجة الى ذلك
عيناه كافيتان لفضح نداءات القلب
يبدو ان المنفى وامتلاءه واشواقه الدائمة تجاه الناس
علمّوه ان ينسى كل شيء
ولا يبقى في المشهد الجنائزي الاّ الانسان الذي عرفه واحبه
لا شيء يُكسر في هذا الليل الاّ البحر
الذي ينتابه الموج السخي محملا بالأحاسيس الغامضة
تأتي من بعيد حيث لا شيء الاّ الصراخ
الخيبة المميتة ومنفى لا دواء له
رأى نفسه وهو يغمض عينيه
بحثا عن درء دمعة قلقة فرضت نفسها عليه
احتضن نفسه وملأ رئتيه برائحة البحر وتمتم نحو الفراغ
الان تمزق اخر ما كان يربطه بهذا التراب
كافية للشهادة على زمن كان فينا ولم نكن فيه الاّ قليلا
وهو يشارف على مهاوي الرحيل
رفع يده للتلويح الاخيرة المليئة بالشجن
صوب بحر لا شيء من التفاصيل الحية قد مات
كأن الدنيا تبدأ الان
سرٌ دفين وماء مالح هو لم يتغير فيه شيء يذكر
عندما يسكننا شعاع الشباب وتبهرنا الحياة بكل عنفوانها وجنونها
نظن ان كل شيء ملئ بقبضات أيدينا
نبعثره كما نبعثر زرعا في حقول مفتوحة على الخير والشمس
وعندما يداهمنا العمر بقسوة
تجد في الكوة المفتوحة حفنة من الهواء الساخن وبقايا خطوط جلدية
نرسم تفاصيل حياة اندثرت بسرعة كأننا لم نعشها ابدا
او حاذيناها فقط وحنين اشياء مبهمة لا نعرف اسرارها
نكتفي بحبها ونمضي ونحن لا ندري
لماذا هذا عندما يبقى في الدماغ شيئا ما
ولا يمس بالخرف ولا يدخله مرض العصر
حيث تنسى الذاكرة وظائفها وتتخلى عن سلطانها
كخوف يشبه البياض نحسّه ولا نفسّره
قد نتذكر ابعد نقطة في حياتنا
وننسى ما حدث لنا قبل ثوان معدودات
الذاكرة مثل النجوم حيث ينفذ القها وصبرها
تتعب ثم تموت ثم تتبعثر هاربة في السماء في شكل رماد مضيء
ستخلى العقل عن اخر حقوقه
طواعية ويدخل في مدارات شبيهة بالنهايات القاسية
لنقل ان هذا لم يحصل حتى الان وما يزال من العمر متّسع
نمشي قليلا ثم نجلس على الحافة المقابلة للضفاف الاخرى
التي لا يراها ولكننا نتخيلها
يصمت طويلا قبل ان يترك نفسه
يتوغل عميقا في البحر
وغرس عينيه الخجولتين في الارض
عاودته عندما لا يريد اجابة
ثم خرج نحو عمله ولم يقل اي كلمة في لحظة هاربة
الامطار تكسر ملامح الاشياء من وراء الزجاج ترتدي برد الصباح
**********
د. المفرجي الحسيني
انعكاس المرايا
العراق/ بغداد
3/5/2020
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق