في القديم .. حين كانت الإلفة والمحبة سائدة بين الجيران ..
فكانوا يتشاركون الأفراح والأحزان ..
ويتساكبون الأطعمة من مختلف الأشكال والألوان ...
ففي مناسبات الأفراح والليالي الملاح تهب عائلة الجار
ويعلنون الاستنفار كبارا وصغار ..
فيذهب الأب ليجلس مع والد العريس يشاركه همّ العرس ودعوة المعازيم .. ويعرض عليه نقوداً ..ويحلف عليه بالعظيم ..
وتذهب الأم لتشارك الجارات في اعمال الطبخ ومد الجهاز ....
وهاها .واويها ..ومعزوفات لي لي لي ليش ومختلف انواع الهناهين عالرايحه والجيه .والكل فرحانين ...
فيساهم الشباب في نقل جهاز العريس ..والدبك والرقص والتدويس !!.
والبنات عند العروس ( يغاوينها ) ويزغردن ويهلهلن ويرقصن امامها .. وتتقاطر الى بيت أهل العريس الدشكات والمخدات ..
والكراسي والديوانات .. من مختلف الجهات ..
وتتكدس اكياس السكر والطحين ..
وتقرقع الطناجر والمواعين ..
ويظل الجيران محفولين ( معجوقين .)
ولايرتوي قلبهم حتى يروا العروس والعريس في غرفتهم مجتمعين .. !!
أما في المآتم والأتراح .... فتظل القرية سنة كاملة في حداد ..
يشاركون الجيران في لبس السواد ..
يقاسمونهم الحزن والترح ..
ولا يبدون اي مظهر من مظاهر البهجة والفرح ..
ولا يصنعون الكعك في العيد ..لأن مصاب جيرانهم شديد ..
ودأبهم سيرةالمتوفى ..مرددين : ( حيف عليه ..الله يرحمو .كان زلمه طيب .. بزمانو كان كذا .وعمل معي معروف كذا !! ) فكانوا يتحدثون عن حسناته .. ويتكتمون على ذنوبه وسيئاته ... كانوا يستعيرون من بعضهم كل ما يرغبون ..من الماعون حتى رحى الطاحون.. .
وحتى الحمار .. يعيره صاحبه وهو ممنون .. و
يستعيرون المردكونه بعد الوكف والدلف .
لدحل السطح وتدعيم السقف ..
وكانوا يستعيرون الجاروف والزنبيل .. والقظمة والازميل .. ..
فيتلقاهم الجار في كل الحالات بابتسامة ووجه جميل .. ..
ويستعيرون ( القاشوشه ) ليخرجوا من البئر الأواني والمواعين .... ويستعيرون الخميرة للعجين ...
ويستعيرون شعلة ليعلقوا على الطبيخ ...واذا تاخرت الطبخه ..سكب لهم الجيران صحنا :( خطي الصغار جوعانين ..) !!!
وكثيراً ما كانوا يستدينون مواد غذائية مثل ( طاسة برغل .. أو كاسة سكر .. أوحفنة عدس أو كاسة زيت ...وكل ما يلزم للبيت ... وحين ينقطعون من الخبز يهرع الصغير الى الجيران .. ( خاله دينونا تلت رغفان ..) !!
وكانوا يتشاركون في همّ ( السليقه ) والشعيل والشحوار ..
ويناشد فتيانهم الجار ... ( عمي انت بروك وتفرج ولا تمد ايدك على شي .. اش شغلتنا .؟؟ نحنا كتار .!! )
فيسحبون الماء من البئر و يشعلون تحت الحله ..
من حطب الزيتون الى اقراص الجلّه ..
وينقلون السليقة الى سطح المنزل بدون كسل أو ملّه ..!!
واذا ما عجنت الجارة يوماً كمية كبيرة من العجين ...
لجأت الى الجارات ليساعدوها ..
ويكونون لها في التقطيع والرق خير منجد ومعين .
ولا يغادرون التنور الا ومن الخبز السخن ..شبعانين ..!!
وفي السهرات تجتمع الجارات على كعك العيد وعلى فتل الشعيرية ...
وعمل المغربيه ..وتنقاية الحنطه وتقشير الفاصوليه ..
وكل واحدة تحكي لهم عن تجربتها ومعاناتها .. قصة ومجراويه .
أما اليوم ... فلم يعد هناك جيران ..
بل اناس ينتابهم حقد وحسد وفي القلب نيران ...
فيعاملون بعضهم معاملة الغرباء ..
ويكونون على بعضهم جواسيس ورقباء ...
ويتصيدون اخطاء بعضهم من الألف الى الياء .
واذا ما استلم احدهم مهمة امنية ( بلش بمراقبة جارو...
فنقره تقرير من تحت الدست نكت كرارو ....
وسركلوه .. وما انعرفت أخبارو !! )
واذا ما توفي احد الجوار عاثوا في سيرته فساداً بأقذع الكلمات :
( كـلب وفطس ...الله لا يردو....هلك الكائنات .!!. )
ويجعلون قدحه وذمه معزوفة يرددونها في الصبح والعشيات ..
وبعد ثلاثة ايام ( المقريّه ) يعودون الى حياتهم الطبيعية ..
وبعد اسبوع فقط يبدؤون بالتخطيط للأعراس ومسك المطربين والفرق الموسيقيه...
مديرين ظهرهم لجيرانهم بالكليه ..!!
ترى هل تعود ايام الوئام ..
والمحبة والسعادة والود والإنسجام ...والتقدير والاحترام ..
وهل يخبيء لنا القدر عودة لتلك الايام ..
بدر الدين تلجبيني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق