26/08/2021

الكاتب توفيق الشطي

أقصوصة                 توفيق الشطي
          
             الطريدة والصياد
أزمن الضجر ،
عضالا ..
كالقضاء المؤبد .
يراوح مكانه ..
سعالا ،
بين الصدر والكبد .
تجثم أوزاره ،
ثقالا ..
فوق العد والعدد .
تهد همومه ،
أوصالا ..
وتروغ عن الكف والحد .

أضناه الضجر ..
يا بشر .
وأوثق روحه ،
أغلالا ،
كأنها الحجر ..
وشرب المعاني ،
من أشيائه ..
وأقعده يعاني ،
لملمة أشلائه ..
         وبين كوابيس الضوء والظلام مرغه  وعكر مزاجه وأرقه وبرح به حتى كاد يخنقه وطال أمد حاله  يسلمه قلق الى قلق   مثل ريشة يرسم بها الزمن دوائر فارغة  حتى لمعت في ذهنه فكرة . تذكر إحدى هوايات الصبى والشباب فأسرع الى خزانة فتحها وأخرج أجزاء بندقية مفككة نظفها جيدا وجرابا نفض عنه الغبار . ولبس بدلة الصيد الخضراء وركب أجزاء بندقيته ووضع علبة الرصاص في جيبه ومنظارا وقنينة ماء في جرابه وانتعل حذاء عسكريا أسود وسلك طريق الجبل .
     كان منزله منفردا رابضا في أول الغابة يقبع تحت الجبل تفصله عن تلته أميال من الأيكات والأدغال والأكمات . وكانت الغابة مرتعه أيام الصبى والشباب يعرف زواياها وأركانها وطيورها وحيوانها . وما ان توغل في أحد المسارب مما كان يحلو له أن يسلكه حتى تعبد في ذهنه طريق شارد تعطره الذكرى والخزامى ويظلله الشجر والشجن . وكلما قفز فوق الحفر ومن ضفة جدول الى ضفة مقابلة تنهد وغادرت الغصص ذهنه الشارد .
   وبينما كان يسير في الطريقين اذ سمع صوتا . وبرهافة حس الصياد توقف وانبطح وراء شجرة ذات جذع غليظ واسترق النظر من ورائها ناحية الصوت من بين النبت والعشب . فتبدت له طريدة واقفة كأنها تنظره. أمعن الحملقة فيها جيدا فاذا هي غزالة لكنها تراءت له غريبة . فأخرج المنظار من جيبه وعدله متفحصا من خلاله فريسته . فهاله هيكلها وأعجبه . لكن الوبر نسل ولونه بهت حتى كاد يتحلل لولا بعض النقط البيضاء والدوائر الحمراء المتبقية . كلوحة قديمة محت السنين جل أشكالها وألوانها . ونتأت عظام الظهر وبرزت مفاصل الركب . وتحرك الرأس والذيل متثاقلين لطرد الذباب . أما قائمتاها الأماميتان فكانتا ترتعشان توثبا للقفز لكن يخونهما الجهد . والأغرب من كل ذلك رقبتها التي كانت تميلها يمنة ويسرة مثل من أصابه الطرش .
    عدل المنظار مرة أخرى ليبدد الضباب الذي غشى الصورة حتى تنصع وتقترب أكثر وتتجلى أوضح أمام ناظريه . ولما وقعت مقلتاه على عينيها وأذنيها تذكرها . انها تلك المها الجميلة التي كان يسترق النظر إليها في صباه كلما تجشم أهوال الغابة ليراها وهي ترعى وتلهو . كم كانت تفتنه وتأسره وتعجبه . لكن ما أقسى فعل الزمان بها ! لقد عبث بفخامتها حتى كاد يقعدها وسرق ألقها حتى كاد يتلفها. 
     تسمر في مكانه يرقب غريب حركاتها التي بدأت تشعره بدل الفضول بالذهول  حتى تراخى كدس التراب تحت جسده فتدحرج محدثا جلبة . فقفز متسللا بين الشجر وغير مكانه وعدل من جديد منظاره يرجو ألا تكون طريدته قد هربت . لكنه وجدها في نفس مكانها متوثبة كالكاسر أو المفترس تنظر إليه في عينيه جريئة إلى حد التهور . وحتى حياء الغزلان وروعها فإنها فقدته ولم تعد تشعر به. حينها استل بندقيته من فوق ظهره وصوبها نحوها كالناجي بدل الصائد والمدافع بدل المهاجم . وما أن هم  بإطلاق النار عليها حتى لمح وراءها وعلا هو بالتأكيد ذكرها وبعلها . كان منهمكا في التهام أخضر العشب في طمأنينة الساذج وقد أدار ظهره الى الغزالة والصياد . فغير وجهة البندقية نحوه ليصيبه لكن الدغل كثف شجره وطويل عشبه فاستحال كالجدار الواقي من الرصاص . كما انه كان غافلا غير مدرك لما يدور حوله أو يحدث ويصير . فعدل الصياد عن قنصه . فلقد علمته الغابة أن للصيد أخلاقا وأعرافا . وأعاد فوهة البندقية باتجاه الغزالة مرة أخرى لكن يديه ارتعشتا ربما اشفاقا عليها أو رأفة بحالها . وبينما كان التردد يعتمل في وجدانه والصراع يشتعل في داخله ويضطرم كالنار لمح صغير غزال يقفز أمامها ويقترب يطلب منها مداعبته . انها أم يحتاجها صغيرها . حينئذ أسقط البندقية من يديه وألقى بها على الأرض وبعد برهة أعاد التقاطها ووضعها من جديد على ظهره ونهض عائدا أدراجه . 
     وكلما انعرج طريق عودته يمنة أو يسرة لفته حدسه وراءه فشاهدها تتبعه فتوقف والنبض يخفق غضبا وهلعا وتوجه نحوها بخطوتين ينهرها ويطردها وما ان عاد الى السير حتى لمحها من جديد مرة على يمينه ومرة أخرى على يساره تسير وتقفز ثم سرعان ما تختفي.
   عندها أسرع الخطى كالهارب من شبح ينظر في كل الجهات والى أعلى الأشجار والسماء . واستل بندقيته وقرر قتلها لاغتيال الهلع في دواخله . لكن مصير اليتم لصغيرها منعه . فمد يده الى جرابه وسحب قنينة الماء . فتحها وشرب بعض مائها وسكب بعضه الآخر على رأسه وكتفيه . وظل كذلك حتى وصل الى منزله . فتوقف قبل الدخول لينظر في كل الجهات يبحث عنها فلم يجدها كأنها ملح ذاب في ماء .
هل كانت ترافقه لتونس طريقه ؟ أم أرادت أن تتعرف على مضجعه ؟
هل هي حقا غزال من لحم ودم ؟ أم هي شبح من عدم ؟ 
     مدد جسده المنهك على الأريكة مستعجلا الرقاد حتى يهجع . وما ان نام حتى أطلت عليه وقد استعادت وبرها جميلا وهيكلها فتيا واسترجعت عنفوانها فاتنا وكاد يغازلها لولا أن كشرت عن أنياب ذئب أقض مضجعه وأفسد مهجعه فأيقظه ، غارقا في العرق ونهض من الغد مهدودا من فرط الأرق . وتوجه الى عمله وغادر أسوار منزله فلمحها في الطريق تسبقه . فعاد الى منزله وسرد حكايته لرفيقته . فهدأت من روعه وأرقدته على ركبتيها كصغير محموم . وسمعته في منامه يهذي ويئن كأنما لاطه مكروه أو مسه جن . لقد كان يركض في منامه متسلقا الجبل هاربا منها محتميا ببناية بث الارسال والتقاط الأثير لكنها لحقت به مطاردة اياه وخلعت كل الأبواب وانقضت عليه  مرتدية غريب الأثواب لابسة جلد أفعى محركة ذيل ثعلب تنفخ الهواء من خطم ثور هائج . فقفز في حضن رفيقته الباكية لحاله .
     فأنهضته وخرجت واياه أمام الدار فلمحاها تتبختر في غرورها المقزز كأنها ديك رومي فدخلت رفيقته الى البيت مستفزة حانقة وعادت بسرعة تحمل البندقية ودون تردد صوبتها نحوها وأصابتها في قلبها فأردتها قتيلة . وجذبته ليجريا معا نحوها . لكنهما لم يجدا لها أثرا . فلقد تبخرت كأنها لم تكن أبدا . فهاله ما أصاب حاله . لكنه أحس بالبرء من السقم وانقشعت في صدره غيوم الوهم والوهن وارتمى في أحضان رفيقته كالعائد من الغربة الى موطنه . أو المحرر من الأسر والسجن يقول :
لولا الوهن والاعياء
يا بشر ..
والفراغ والأدواء 
والضجر ..
ما استهواني الخلاء
والصيد والشجر ..
ليخيب مسعاي
لا قنص ولا وبر ..
ويطاردني البلاء 
حتى كدت أحتضر ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

. بقلـــــ♥ــــــم الشاعر غازي أحمد خلف

الشاعر شعبي مطفى

يا ساقي كأس ألصبر أسكب وأملأ ولا تسولني ولا دًق باب محاني ولا تعرف مناش أنعاني ساكن وحدي مانعرف جيراني ومن أحلامي مهاجر مكاني نفكًر ألهمً إل...