بسم الله الرحمن الرحيم
الأنا والآخر في وجودية الحب في ديوان القادم عبثا
أ/ إبراهيم الجرموزي
سررت كثيراً عندما قرأت أول عمل إبداعي للشاعر الشاب المبدع ماجد عبد الله ورو، وهو من الشعراء الشباب الذين ذاع صيتهم في منتصف التسعينات وتميز ديوانه موقع الدراسة بالجديد في المواقف والرؤى والأسلوب ، إنه يعبر عن الصوت القادم من بعيد، صوت يمتد مع امتداد الأرض والوطن، صوت يبحث عن مساحة أطول وعن وجود أعمق وحب أكبر، ليقول لنا بصوت عال( أنا أحب فأنا موجود) الديوان صادر عن وزارة الثقافة صنعاء لسنـة 2004م ويتكون من خمسة وخمسين صفحة، ويحتوى على اثنين وعشرين قصيدة من الشعر الحر وأول ما لفت نظري هو عنوان الديوان ( القادم عبثا) وهي قصيدة من ضمن قصائد الديوان. وهنا يأتي التساؤل ماذا يعني الشاعر بهذا العنوان ؟ هل هي القصيدة بالفعل، أم أن القادم عبثا هو الواقع الذي سيأتي بعد وبدون هوية ولم يتشكل ولم يمر بعملية مخاض حقيقية، أم أن دلالة القادم عبثا تأتي على طريقة الفلسفة العبثية ، وهي فلسفة وجودية، أم أن الدلالة تأتي على طريقة الفلسفة اللاأدرية أم أننا سنكتفي بالمثل القائل المعنى في بطن الشاعر.
إننا سنترك الإجابات لتلك الدراسة القادمة، أما إذا أمعنا النظر في الإهداء سنلاحظه يتصدر الديوان بقوله:
إلى كل دمعة حزينة
سقطت بعيون الأبرياء
إلى كل وجع وجرح
تألم صامتاً
دون دموع
لعل هذا الإهداء يتطلب منا البحث عن معنى ، و هذا المعنى يقودنا إلى الكشف عن ماهية ذلك القادم عبثا، إنها دلالة تربط إن جاز التعبير بين الحقيقة ، فتلك الدلالة تدخل في باطن وعي الذات أو بالأصح الإقرار بالذات كما يسميه علماء النفس والتي تقترن بالكشف عن وجودية الشاعر وتألقه بالأخر فالشاعر لا يكشف ذاته إلا عن طريق الآخر، وقد يكون هذا الأخر- الحبيبة – المرأة – الوطن:
جئت أفتش عن ضوء القمر
فلم أجد سوى عينك
ما أحلى السمر
وتتضح تلك الدلالة بأبعاد أعمق في قصيدة أحبك بلا حدود:
حسناء يا قبلة الحب
باتت على شاطئ نهديك
ترسو مراكبي
أيا وردة بين ضلوعي تشرئب
أمسيت أعزف أحلى الأغنيات
والآم السنين التي إنطوت
أنشدها أغنية
وأهمس بين مسامع أذنيك
كلمات القصيرة
أبوح لك
لكل احتمالات الحقيقة
وأرسم ...
ارسم بين شفتيك ...
خارطة وطن ضائع..
مجموعة قصائد الديوان القادم عبثا للشاعر الأديب ماجد عبد الله ورو، كما قلت كلها من الشعر الحر الذي ينتمي إلى الشعر الجديد، قصائد تعبر عن الحب والشوق والهيام والألم والحزن والفرقة تجاه الآخر الحبيبة ، إنها قصائد عاطفية تحمل دلالات وطنية وإنسانية لكنها أيضاً تحمل روح الرفض للواقع الاجتماعي وتؤمن بالنضال والكفاح لغد سعيد مزدهر وآمن ففي قصيدة من بعيد نقرأ هذا المقطع الشعري:
كل الأشياء
لا تعرف بعضا
كل الأشياء
تغادر...ترحل ...
لتشق طريقاً ...
وسط الأمواج
يجتر خطاها
حيتان
تهذي
لا تدرك
معنى الأشياء
بحار ساخطة
تلفظ كل الحيتان
إلا أن الشاعر ماجد ينقلنا نقلة جديدة في الطرح والمعالجة لهمومه ومشاعره وأفكاره،ففي قصائده : لم يبق إلا الحرف، وسيدتي الأولى ، وماذا بعد ؟ وطلقة بارود، والرحيل، ولحظة وقوف، وإلي تعالي ، ورسالة. نلاحظه يلون أفكاره بل كلماته بلون السمر ، لون البسطاء الطبقة الكادحة وكفاحها المرير لنيل حقوقها على امتداد الساحة العربية ومن ناحية فنية ونقدية نلاحظ قصائد الديوان عبارة عن بنية لغوية تشكلها ( علامات واحتمالات وإستفهامات) تبنى على ثنائية الدال والمدلول) كما يذهب إلى ذلك علماء اللغة المحدثين وعلى رأسهم دوسوسير لذلك لا تخرج تلك القصائد عن تلك المفاهيم والعلامات وتنضيدها في جمل ومقاطع شعرية تعني بالناتج الدلالي من حيث هدف غاية مبتغاه وهدف جمالي منشود لدى شاعرنا ففي قصيدتيه الصمت يحاصر المكان ، ملكة السماء و أيضاً قراضة الحب نرى تلك الأمارات والدلالات تملأ فضاءات تلك القصائد وتحترق عملية القراءة إلى ما هو غير مألوف ويتجه الشاعر من خلالها إلى التوغل في الوجود الحسي، وإن كان في كل القصائد الديوان يسعى إلى ذلك، لكن أحياناً يخرج من الوجود المادي والحسي إلى وجود أخر يشعر الشاعر نفسه بالنشوة وتطرب ذاته حينما تسعى إلى وجود صوفي وتجريدي حيث تلتقي الحقيقة بالحلم، والذات بالموضوع وهو يخوض تجربة الحب وقلبه يتمزق من نار الحب وهنا يقترب الشاعر ما جد في قصائده تلك بوجسثاف تيبون حينما قال:
من أنت أيتها المعشوقة ؟
المرأة التي أرى فيها نفسي أم الخراب أتوه فيه
كما يقترب من الشاعر أراجون حين قال أيضاً :
ليس ثمة عشق لا يرتوي من الدمع
ليس ثمة عشق سعيد
وللمفكر العربي دكتور زكي نجيب محمود رأي فهو يرى أن الفن والشعر على وجه الخصوص خلق وإنشاء ولبس كشف عن أي شيء كان موجوداً بالفعل.
أما الدكتور عبد العزيز المقالح فيرى أن قيمة أي عمل فني بمقدار ما يحمله من فكر من مضمون وشكل وبمقدار ما يتركه من أثر على المتلقي ومن تلك الرؤى ندلف إلى عالم المعنى في ديوان الشاعر ماجد ورو بأبعاده العاطفة الوطنية والإنسانية لنرى الشاعر لم يفصح عن من يحب أي المرأة - الأرض الوطن – الحرية نستشف ذلك في: قراضة الحب:
دعيني وأحزاني
واتركيني
كيف أشاء
فإذاً
لست من تهوين
ولست من يغرني
النساء
أنا يا امرأة
جربت ... الحب
وما جربت
مارست الحب
مرات .... ومرات
وما أحببت
عاشرت نساء
بين.. الكون
عشقت نساء...
فوق.. الكون
وما رست الحب
بطريقتي ... أنا
وغرائزي .. أنا
أضاجعهن
كيف أردت
وأرفضهن
كيف أردت
وأثمل بنهودهن
متى.. أردت
وكيف أشاء
فأنت
أيتها الفاتنة
لست المرأة .. الأولى
ولا أنت
أخر من تقع
في شباك...
غرائزي..
الهمجية
فلا تنزعجي
من تصرفاتي الطفولية
ولا مني أنا ...
لعلنا نكتشف في هذا المقطع الشعري تماهي الذات ونزوعها ألغرائزي إلى مرحلة اللاوعي وإلى مرحلة الطفولة الأولى حيث بداية نشؤ الأنا التي يمر بها كل إنسان بل البشرية أيضاً في تكويناتها الأولى وهي ظاهرة طبعيه يتجلى فيها الشاعر في مقدرته وتأثره في التعبير عن اللاوعي من ناحية ومن ناحية أخرى دوره وتأثره على فعل واستنباط الدلالات والمعاني فا لكلمات تغاير معانيها العادية إلى معاني أخرى مغايرة وعميقة ورائعة في كل قصائد الديوان القادم عبثاً. وعلى مستوى التقنية الشعرية نجد اندماج العاطفي والفكري، الرومانسي والواقعي في قصائد الديوان فهما يأتلفان بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر فالتناغم في تلك النصوص أو القصائد تجلي المعنى وتعمق أبعاده في إطار من التشكيل الفني الجمالي ، لغة وصورة وموسيقي حيث يقول الشاعر في قصيدته دموع المسافر:
سلام على قلبي
سلام سلام
سلام على الروح
في سلام مودع
ألا يعود
عساك
عسى الأيام
تجمعنا
تلملم بقايا
أحلامنا
أوجاعنا
لعل الشمل
يوماً يعود
سلام على الخالدين فينا
ومنا ... سلام
سلام .. المحبين
للمحبين ...
سلام على الأرض الطهور
في الأولين في الآخرين
سلام بابل وكربلاء
والنجف ....
ولادوار سابير هنا في كتابة (اللغة ) منطلقات في قضية الشعر لابد من تدقيقها ( فهو يعتبر أن الشعر في أي لغة من اللغات إنما هو وليد مزاوجة مخصوصة بين أصواتها والإيقاعات التي تتوفر عليها ،كما انه ينطلق من الحقيقة العامة في تاريخ الإنسانية وهي إن الشعر في كل الثقافات مقترن بالإيقاع ولذلك كان نظام الشعر القائم علي النبر والتقطيع أكثر ملائمة من الشعر القائم علي مجرد التوازن الكمي وقد سبق إلي ذلك نقادنا العرب الأوائل كأمثال ابن جني والآمدي والناقد العظيم عبد القادر الجرجاني في دراسات نحويه ولسانيه معمقه فمثلا نجد أبن فارس سبق تشو مسكي في دراسته اللغوية والأدبية ، كما أن ابن جني والامدي والعسكري سبقوا دوسوسير ورولاان بارت وليفي شتراوس وغيرهم من الناقد الغربيين المحدثين .
وفي قلب تلك المعادلة الفنية الإبداعية ولدت قصائد الديوان للشاعر المبدع ماجد ورو واستلهمت تجربته الشعرية من التجارب الإبداعية الأخرى روح النماء والتطور والتوصل والاتصال لذا اكتسبت قصائده الشعرية صفتها التعبيرية بطابعها الثوري ، واستطاعت قصائده تحطيم الأطر التقليدية في الشعر، وأصبحت كثورة على الواقع الاجتماعي الفاسد بكل مظاهره وأبعاده ، ولعل قصيدته التي اختارها بوعي كعنوان للديوان وباسم قناع الضوء الزائف أبلغ دلالة على عمق معانيه الفنية والوطنية في فهم الواقع العربي الراهن المحزن والمتخلف سياسياً واجتماعيا:
أيها القادم عبثاً
كيف تخطيت
أنين الجروح .. الدامية
والمساء .. الصباح
لا فرق بينهما
والمسافة بين الأشياء
وبين عيوننا .. الدامعات
بعيده .. بعيده
ببعد أجسادنا المحزنة .. المبعثرة
بين خرائب الجدران المتساقطة ..
عبثاً جئت تبحث هنا
أيها القادم بقناع الضوء الزائف
نحو أزمنة اليأس
على الرغم من تلك النظرة الشبه متشائمة من الزمن العربي القادم ، إلا أن الشاعر يسوده الأمل والتفاعل باللقاء بها ففي قصائده أنت لي، وحنين ، وماء ونار واللاانتهاء يزداد لهيب الشاعر شوقاً وألماً وهياماً فلطالما نادى حبيبة في جميع قصائده تارة في الحلم وتارة كحقيقة يحاول الشاعر أن يمسك بها أن يقترب منها أن يصل إليها عن المناجاة والكلمات الموحية والعذبة فتأتيه شعراً ، وتأتيه ناراً و لهباً وتأتيه تصوفاً وتأتيه يقين . واليقين عند العلماء والفلاسفة أخر محطة من محطات الإيمان ولعل شاعرنا ماجد كان متيماً بها إلى درجة اليقين أعلى مرتبة من مراتب الإيمان ففي قصيدته أنت لي يزاد الشاعر تألقاً إليها حباً ولوعة وروعة وجمالاً :
كيف أغدو بين جرحي
لم أزل أطفئ جمر قلبي
لم تزل .. تقبلني
يقول إ ني أحبك
أنت .. لي
لكن .. لوجدي
لكنه في قصيدته اللاإنتهاء والتي يختتم بها ديوانه تنضج تجربته وتكتمل من بداية البدايات الأولى ومن أول الحرف إلى اللانهائي حيث تتبدل وتتغير الأشياء وتكبر وتنمو الكلمات فتتكون الكائنات فتحيا وتتحرك داخل تلك النصوص من قصائد الديوان ، فالشاعر يعالج في ديوانه أبجدية الحب الأبدي فهو يتفجر حزناً وشوقاً وألماً لكنه ينضح عطراً وورداً فهو يستخلص من ضبابيات الأحلام والهواجس والتخوفات من القادم عبثاً – ليغتدي شعره معادلاً للحلم الموعود ومرادفاً لهذان الحكماء وحرقة العشاق والمبدعين ليغتدي شعره أيضاً من اللا معنى واللا ممكن إلى المعنى والممكنة يصبح شعره حقاً معادلاً موضوعيا للقادم الآتي ومعادلاً لنفسه وصورة من ذاته ليصبح نسجاً مجسداً للمستقبل، لذلك يتميز ديوان الشاعر المبدع ماجد ورو بالخصائص النسجية والإيقاعية والتصويرية العميقة للواقع والذات والأخر، ففي كل قصائد الديوان الاثنين والعشرين قصيدة تنحو منحاً جديداً يبلغ الشاعر فيها غايته بحيث تتوارى وراء الكلمات عوالم من المعاني وشبكه من الدلالات طوراً وراء أخر لنطلق عليه الشعر الأجد أو النسيج الشعري الحديث بحيث يقتدي في كل هذا الشعر كل شيئاً يمكن وكل شيء غير ممكن أيضاً حسب تعبير أراجوان فلسفة الديوان لغة بسيطة وتراكب الألفاظ سهلة والكلمات تلامس الآفاق فهي تعنى بالهموم العربية عامة والهموم اليمنية خاصة إذا لا غرابة إذ قلنا أن الشاعر ماجد ورو في ديوانه هذا حول تجربته الشعرية إلى تجربة تعشق الأرض والوطن وتخرق الحواجز وتمتد إلى اللا محدود واللا نهائي هدفاً وصوتاً مميزاً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق