04/03/2021

الكاتبة ناهد الاسطة

الفصل الأخير
ضجيج عال ، خيالات وظلال سريعة ، هذا ما كان يشعر به، عندما أسند رأسه المتعب على كفه ، واستند إلى حافة نافذة القطار ، الذي كان ينهب الأرض نهبًا ، تاركًا المدينة وصخبها متجهًا إلى الأرياف .
التجاعيد التي غضنت جبينه ، وحفرت أخاديد على محياه، ذقنه البيضاء الطويلة ، وفوداه المخضبتان بالبياض ، تدل على عمر طويل أمضاه في معترك الحياة .
استرسل شريط حياته أمام ناظريه اللتين كانتا شاخصتين من نافذة القطار ، وكأنه يرى فيلم سينمائي هو أحد أبطاله ، نعم لقد قرر أن يكتب الفصل الأخير من حياته .
هاهو يركب القطار ، الذي نقله شابًا و زوجته إلى المدينة ، مفعمًا بالآمال والطموحات ، من أربعين عامًا ، ليعود به إلى قريته مثقلًا بالحزن والحنين ، بعد أن تفرق أولاده في أصقاع الأرض طلبًا للرزق ، ووافت المنية زوجته الغالية ، رفيقة عمره ، تاركة إياه في فراغ لا يعوضه أحد ، فقرر العودة إلى بيته البسيط في القرية .
كان قد عمل بجهد لتأمين حياة سعيدة لأسرته ، أيام جميلة مرت على أسرته ، غلفها الحب والحنان ، فقد كانت زوجته انسانة نبيلة عطوف محبة لهم ، أما أهم صفاتها كانت الصبر ، فقد تحملت الحياة معه بكل ما فيها من حلوها ومرها ، بابتسامة رضى ولسان حامد لنعمة الرحمن، حتى شب ولديها وشقا طريقهما في خضم الحياة.
صوت طفل صغير قطع شريط ذكرياته ، التفت الى مصدر الصوت ، فرأى أمامه صغير صبوح الوجه ،  يطلب مساعدته بأحرف متلعثمة من بين فراغات أسنانه ، يسأله المساعدة في فتح غطاء زجاجة ماء معدنية .
رفع عينيه ليرى أم الطفل تجلس على المقعد المقابل ، ولقد كسى الخجل محياها ، فهي لم تستطع فتح غطاء الزجاجة لولدها .
عاد نظره الى الطفل المليئ بالحيوية ، وعيناه اللامعتان  تخفيان ورائهما شقاوة كامنة ، ابتسم للصغير
 - وسأله: كيف حال عضلاتك ؟ 
- رد الصغير رافعًا زنده عاليًا :أنا عندي عضلات قوية .
بحركة سريعة لم يدركها الطفل ، فتح غطاء الزجاجة وأعاد إغلاقها ، بينما كان يمد يده متحسسًا عضلات الصغير ...
- قائلًا: حقًا إنها عضلات قوية .
 ثم مد يده بالزجاجة للصغير ، مكملًا : - لنرى إن كنا نستطيع الاستفادة من هذه العضلات ، في فتح زجاجة الماء هذه .
أخذ الطفل الزجاجة ، محاولًا فتحها ، - وصاح فرحا : ماما أنا بطل !!  ..
 لقد استطعت فتح الزجاجة لوحدي ، أنا عندي عضلات قوية ..
أخذت الأم طفلها في حضنها مربتة على رأسه الصغير ، هامسة بالشكر للرجل ...
- مكملة كلامها مع طفلها :  نعم أنت بطلي الصغير يا حبيبي ، كم أنا متشوقة ،  لأراك شابًا كبيرًا ذو عضلات مفتولة .
عادت الذكريات تهاجمه ، فلقد كانت زوجته تهمس بكلمات مشابهة في أذني ولديها ، حتى اشتد عودهما وأصبحا رجالًا اشداء .
 لكن للأسف لم يعطها المرض ، فرصة تفرح وتفتخر بهما ، فقد سرقها خلسة ، حيث بدأت تشتكي من وهن ودوار مستمرين ، وفي يوم كانت وحيدة في البيت اشتد عليها التعب والدوار ، وحاولت أن تتحامل على نفسها ، وتصل الى المطبخ ، لتحضر لنفسها كأسا من عصير الليمون ، ولم تستطع أن تقاوم  الدوار ، فسقطت مرتطمًا رأسها بمنضدة المطبخ ، فاقدة للوعي ورقدت حبات الليمون المبعثرة على الأرض بجوارها .
فرت دمعة من عينيه ، وهو يتخيل مدى عجز الانسان وضعفه ، فهو لم يستطيع مساعدتها ، عندما وصل إلى البيت ورآها ممددة أرضًا ، أسرع يحتضنها ، ويرفعها عن الأرض ويمددها على سريرها،  فتحت عيناها وهو يمسك بكلتا يديها ..
- همست له : شكرًا وفارقت الحياة !!!...
- سأله الصغير : ماذا حصل عمو هل أنت تبكي؟!!!
- مسح عيناه بسرعة وأجاب الصغير : لا يا بني ، أدخل الهواء ترابًا من النافذة ، في عيني عمك العجوز .
وجرته ذاكرته لولديه ، عندما كانا طفلان صغيران بعمر صديقه الصغير هذا ، كانا كثيرًا ما يتحديان بعضهما الآخر ، ويتسابقان لتسلق أشجار حديقة منزلهما الصغيرة ، وشعر بالحنين لتلك الأيام .
أعاد نظره إلى خارج النافذة ، وسرح بعيدًا إلى الأيام الجميلة ، التي جمعته بزوجته منذ كانت عروسًا ،  ونزلا مغامرين إلى المدينة ، أسند رأسه على إطار النافذة ، وأحس بالدموع تحرق مقلتيه مرة أخرى ،  فأغلق عينيه بينما القطار مستمر في رحلته ، رأى زوجته وهي تدخل المطبخ ، لتعد كأس من الليمون ، وبدى عليها إنها تشعر بعدم الارتياح وأنها ستسقط أرضًا ، أسرع ممسكًا بها وساعدها لتجلس على كرسي قريب ، والتقط هاتفه النقال ، واستدعى الاسعاف ، ساعد المسعفين في حمل زوجته إلى سيارة الاسعاف ،  وجلس ممسكًا بيدها ، مشجعًا لها أن تتحمل آلامها ، فدقائق معدودة وسيصلوا للمشفى .
وصل القطار لمحطته الاخيرة ، وبدأ الركاب بجمع أغراضهم الشخصية ، استعدادًا للنزول ، اتجه الطفل الصغير للعجوز النائم ، وهو مسند رأسه الى نافذة القطار ، والابتسامة مرسومة على محياه .
-  خاطبه قائلا : "عمو لقد وصلنا "
نهرته أمه ، أن لا يزعج الرجل ، فهو سيستيقظ ، عندما تخف زحمة المسافرين .
نزل الجميع ، وبقي العجوز مبتسمًا ممسكًا بحافة النافذة مفارقًا لحياتنا ، ملتحقًا بزوجته الحبيبة .
بقلم ناهد الاسطة
من كتابي (أحلام على كرسي هزاز )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

. بقلـــــ♥ــــــم الشاعر غازي أحمد خلف

الشاعر شعبي مطفى

يا ساقي كأس ألصبر أسكب وأملأ ولا تسولني ولا دًق باب محاني ولا تعرف مناش أنعاني ساكن وحدي مانعرف جيراني ومن أحلامي مهاجر مكاني نفكًر ألهمً إل...