الفصل الأخير
ضجيج عال ، خيالات وظلال سريعة ، هذا ما كان يشعر به، عندما أسند رأسه المتعب على كفه ، واستند إلى حافة نافذة القطار ، الذي كان ينهب الأرض نهبًا ، تاركًا المدينة وصخبها متجهًا إلى الأرياف .
التجاعيد التي غضنت جبينه ، وحفرت أخاديد على محياه، ذقنه البيضاء الطويلة ، وفوداه المخضبتان بالبياض ، تدل على عمر طويل أمضاه في معترك الحياة .
استرسل شريط حياته أمام ناظريه اللتين كانتا شاخصتين من نافذة القطار ، وكأنه يرى فيلم سينمائي هو أحد أبطاله ، نعم لقد قرر أن يكتب الفصل الأخير من حياته .
هاهو يركب القطار ، الذي نقله شابًا و زوجته إلى المدينة ، مفعمًا بالآمال والطموحات ، من أربعين عامًا ، ليعود به إلى قريته مثقلًا بالحزن والحنين ، بعد أن تفرق أولاده في أصقاع الأرض طلبًا للرزق ، ووافت المنية زوجته الغالية ، رفيقة عمره ، تاركة إياه في فراغ لا يعوضه أحد ، فقرر العودة إلى بيته البسيط في القرية .
كان قد عمل بجهد لتأمين حياة سعيدة لأسرته ، أيام جميلة مرت على أسرته ، غلفها الحب والحنان ، فقد كانت زوجته انسانة نبيلة عطوف محبة لهم ، أما أهم صفاتها كانت الصبر ، فقد تحملت الحياة معه بكل ما فيها من حلوها ومرها ، بابتسامة رضى ولسان حامد لنعمة الرحمن، حتى شب ولديها وشقا طريقهما في خضم الحياة.
صوت طفل صغير قطع شريط ذكرياته ، التفت الى مصدر الصوت ، فرأى أمامه صغير صبوح الوجه ، يطلب مساعدته بأحرف متلعثمة من بين فراغات أسنانه ، يسأله المساعدة في فتح غطاء زجاجة ماء معدنية .
رفع عينيه ليرى أم الطفل تجلس على المقعد المقابل ، ولقد كسى الخجل محياها ، فهي لم تستطع فتح غطاء الزجاجة لولدها .
عاد نظره الى الطفل المليئ بالحيوية ، وعيناه اللامعتان تخفيان ورائهما شقاوة كامنة ، ابتسم للصغير
- وسأله: كيف حال عضلاتك ؟
- رد الصغير رافعًا زنده عاليًا :أنا عندي عضلات قوية .
بحركة سريعة لم يدركها الطفل ، فتح غطاء الزجاجة وأعاد إغلاقها ، بينما كان يمد يده متحسسًا عضلات الصغير ...
- قائلًا: حقًا إنها عضلات قوية .
ثم مد يده بالزجاجة للصغير ، مكملًا : - لنرى إن كنا نستطيع الاستفادة من هذه العضلات ، في فتح زجاجة الماء هذه .
أخذ الطفل الزجاجة ، محاولًا فتحها ، - وصاح فرحا : ماما أنا بطل !! ..
لقد استطعت فتح الزجاجة لوحدي ، أنا عندي عضلات قوية ..
أخذت الأم طفلها في حضنها مربتة على رأسه الصغير ، هامسة بالشكر للرجل ...
- مكملة كلامها مع طفلها : نعم أنت بطلي الصغير يا حبيبي ، كم أنا متشوقة ، لأراك شابًا كبيرًا ذو عضلات مفتولة .
عادت الذكريات تهاجمه ، فلقد كانت زوجته تهمس بكلمات مشابهة في أذني ولديها ، حتى اشتد عودهما وأصبحا رجالًا اشداء .
لكن للأسف لم يعطها المرض ، فرصة تفرح وتفتخر بهما ، فقد سرقها خلسة ، حيث بدأت تشتكي من وهن ودوار مستمرين ، وفي يوم كانت وحيدة في البيت اشتد عليها التعب والدوار ، وحاولت أن تتحامل على نفسها ، وتصل الى المطبخ ، لتحضر لنفسها كأسا من عصير الليمون ، ولم تستطع أن تقاوم الدوار ، فسقطت مرتطمًا رأسها بمنضدة المطبخ ، فاقدة للوعي ورقدت حبات الليمون المبعثرة على الأرض بجوارها .
فرت دمعة من عينيه ، وهو يتخيل مدى عجز الانسان وضعفه ، فهو لم يستطيع مساعدتها ، عندما وصل إلى البيت ورآها ممددة أرضًا ، أسرع يحتضنها ، ويرفعها عن الأرض ويمددها على سريرها، فتحت عيناها وهو يمسك بكلتا يديها ..
- همست له : شكرًا وفارقت الحياة !!!...
- سأله الصغير : ماذا حصل عمو هل أنت تبكي؟!!!
- مسح عيناه بسرعة وأجاب الصغير : لا يا بني ، أدخل الهواء ترابًا من النافذة ، في عيني عمك العجوز .
وجرته ذاكرته لولديه ، عندما كانا طفلان صغيران بعمر صديقه الصغير هذا ، كانا كثيرًا ما يتحديان بعضهما الآخر ، ويتسابقان لتسلق أشجار حديقة منزلهما الصغيرة ، وشعر بالحنين لتلك الأيام .
أعاد نظره إلى خارج النافذة ، وسرح بعيدًا إلى الأيام الجميلة ، التي جمعته بزوجته منذ كانت عروسًا ، ونزلا مغامرين إلى المدينة ، أسند رأسه على إطار النافذة ، وأحس بالدموع تحرق مقلتيه مرة أخرى ، فأغلق عينيه بينما القطار مستمر في رحلته ، رأى زوجته وهي تدخل المطبخ ، لتعد كأس من الليمون ، وبدى عليها إنها تشعر بعدم الارتياح وأنها ستسقط أرضًا ، أسرع ممسكًا بها وساعدها لتجلس على كرسي قريب ، والتقط هاتفه النقال ، واستدعى الاسعاف ، ساعد المسعفين في حمل زوجته إلى سيارة الاسعاف ، وجلس ممسكًا بيدها ، مشجعًا لها أن تتحمل آلامها ، فدقائق معدودة وسيصلوا للمشفى .
وصل القطار لمحطته الاخيرة ، وبدأ الركاب بجمع أغراضهم الشخصية ، استعدادًا للنزول ، اتجه الطفل الصغير للعجوز النائم ، وهو مسند رأسه الى نافذة القطار ، والابتسامة مرسومة على محياه .
- خاطبه قائلا : "عمو لقد وصلنا "
نهرته أمه ، أن لا يزعج الرجل ، فهو سيستيقظ ، عندما تخف زحمة المسافرين .
نزل الجميع ، وبقي العجوز مبتسمًا ممسكًا بحافة النافذة مفارقًا لحياتنا ، ملتحقًا بزوجته الحبيبة .
بقلم ناهد الاسطة
من كتابي (أحلام على كرسي هزاز )
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق