مفهوم السعادة للكاتب ايمن غنيم
رؤية فلسفية معاصرة
كل منا يبحث وبإمعان عن السعادة منذ لحظة الميلاد . حتي الموت . وهو لا يمل ولا يكل بحثا عنها بكل ماأوتي من قوة وجهد . وقد تبدو سرابا . في النهاية لانه يبحث عنها خارج ذاته . ظنا منه أنها محسوسة في امل مترقب . او طموح متجدد . او هدف يدق بدفوفه علي مسامعه . ويجري عبثا ويشد الرحال إلي دنيا لا يعرفها مغتربا . ويحضن بتلابيب قلبه بنبضات هي عفوية .أو في كلمات غرام منسيه .
يسابق الخطي سعيا منه لإدراك ماهية واقعها . وحقيقة مدركاتها . وهو لا يدري أن السعادة تكمن في ذاته . وفي حقيقة قناعاته . فالسعادة ليست بمحسوسات يمكن تلمسها . وليست في هتافات الإنتصار . أو صياحات النجاح . وليست بالنتائج المرجوة أو الآمال العريضة التي ننشدها . إنما هي نهج وأسلوب حياة .
نعم فكثيرون من البشر قد يختلط عليه الأمر . فقد ينظر للسعادة منظور ابتهاجي وغفوة فرحة في واقع كئيب . ونشاط عارم في أجواء الصمت البليد . وهناك من ينظر إليها من منظور شهواني بحثا عن جمع المال. أو لحظة ماجنه يختلس فيها ممنوع قد حرم أو يسترق فيها لحظات عشق مزيف . أو ممارسة حرية عبثية يخرج فيها عن نص الشرع ومنهاج التشريع . هؤلاء ليسوا بسعداء .
إنما هم يعبثون بواقع الجمال . ويهرعون إلي مكائد الشيطان . يخدعون أنفسهم بقناع الزيف وتضليل انفسهم بأنفسهم.
إن السعادة الحقيقة تكمن في ذاتك . وفي الأسلوب الذي تنهجه وتدعمه في التعايش بسلمية مع قدراتك وإمكانياتك المتاحه . وطبيعة ادواتك التي تملكها مع مطالبك وأحلامك . إذا ما أنت أوجدت التوازن بين ماهو ممكن أو متاح لديك وماهو أنت قادر علي تحقيقة وبين مطلبك أو هدفك . إذن فأنت ملكت زمام سعادتك . فالسعادة في السلام الذاتي والأمن الداخلي الذي يتحقق في ضوء تعايشك مع واقع حياتك . ومن هنا يأتي الانسجام الذاتي بين مقومات البشر بداخلك وهي الجسم والنفس والعقل . إذا ما تحقق الانسجام بينهما . تحققت السعادة . وقد خضعت السعاده إلى تعريف فلسفي منذ القدم . فقد عرفها أفلاطون بأن السعاده يمكن لها أن تتحقق بالفضيله . وفي المدينة الفاضله . اي هي جزء لا يتجزأ من الفضائل . وقد عرفها أرسطو أنها مزيج مابين رضا النفس ورغباتها ورضا الضمير . فهي لا تخرج عن عبائة الفضيلة . وعرفها البرجماتيين بأنها كيفية الحصول علي المادة واخضاعها لتلبية حوائج النفس . وارضاء نزواتهم . الا ان الاسلام والمتدينون قرنوا مفهوم السعادة بالروحانيات وعلاقة العبد بربه ومدي الايجابيات التي يسلكها الفرد في سلوكه وعبادته مع الله . وأكاد ان أجزم انا أيمن غنيم بأن السعادة ماهي إلا لغة التسامح التي يحققها الفرد بينه وبين نفسه . وهو السلام الذاتي وفق معايير أخلاقية سمحه وفضائل ملموسة في حيز الواقع . ومدي ما تحققه أنت من إسعاد غيرك . فالسعادة لا تجي فرادا . فمن العبث أن تضحك او تستشيط فرحا بمفردك فذاك جنون . فالسعادة هي مردود معنوي تستشعره من خلال إسعادك للآخر . فهو بمثابة كرة البنج بونج لا تعرف سكينة ولا هدوء إذا ما تبادلها اللاعبين مابينهما . هكذاا السعادة . لا تخرج عن إطار ايمانك بقناعاتك الفطرية التي تدعم الانسانية في كل محفل وتصرف . وتزفه للآخر بايقاع من الرضا والتسامح . لكن أود أن أهيب بكم من خصومات السعادة وهي كثيرة والتي تكمن في الرذائل أو الموبقات أو المحرمات أو التي تنتهجها الشياطين وان اختلفت مسمياتها . فالخصومة والعداوة التي تهلك السعادة وتقلص مفهومها . هي السيطرة . فاذا ماانت تملكتك أحاسيس السيطرة والغوغائية فإنك مغتصب ولا يحين لمغتصب أو منتهك قيم أن يسعد . وثانيهما الطمع والطمع آفة تلتهم كل آفاق السعادة وتحولها الي درب من خيال لأنها لاتتحقق في أجواء الطمع العارمة والمتجددة بجنونية وسرعة عقارب الزمن . فلا زمن ولا حياة تكفل السعادة للطامعين في مزيد لا ينتهي . وثالثهما الأنانية فإن إعتزلت أو عكفت علي نفسك كشجرة حبست ثمارها علي نفسها فتعفنت وأصبحت لا تطيق وجودها . ورابعهما الحرية العبثية التي تمهق حق الآخر وتقتحم أسواره . وتجور علي الغير في سباق مع الأقوى وليس مع الأفضل . تلك هي منغصات السعادة بل لصوصها . فاذا ما أنت احسست بواحدة منها فأوقفها علي الفور . وخذ نهجا آخر لكي تنعم وتسعد بقدراتك وفضائلك ونعم الله التي لا تحصي لديك . وأدر ظهرك لماض فات ولا تمعن النظر في مستقبل آت.
وفقط عش قوة اللحظة المواتية لحاضرك والتي تمتلكها الآن .نعم فللحاضر قوة ضارية لا يستهان بها .فمكن نفسك من حاضرك تغزو مستقبلك دون خوف أو قلق . ولا تلتفت لماضيك بحسرة وألم فانت ليس الا حاضرك . فاجعل من حاضرك بسمة تغمر أحزانك. وتنهي أوجاعك. وتلهم عزائم قدراتك. بأن تكون في حدود امكانياتك .
ولا تجعل من طموحاتك بلا سقف تعيش بلا أمان .وعش بمعزل عن هواجس نفسك . فأنت لست إلا مخلوق خلق بقدر وسيعيش لقدر .ويموت علي قدر . فلا تمسخ حياتك بكثرة زخارفها . ولا تجلد ذاتك بذاتك . وتجعل من ذاتك سوطا غير رحيم بقدراتك إذا ما أنت كنت طاغية في محراب ذاتك . ونفس وماسواها فألهما فجورها و تقواها .قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها . صدق الله العظيم .
فكن أنت وزراء السعادة في حكومة ذاتك . لا تثور عليك نوازعك. ولا تتمرد عليك جوارحك . ولا تعبث بك حواسك وتكن علي ربوعهم سلطانا أبيا
محاضرة للكاتب أيمن غنيم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق